محمد أبو زهرة
1485
زهرة التفاسير
أهدى لي ، ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى له أم لا ، لا يأتي أحد منكم بشيء إلا جاء به يوم القيامة ، إن كان بعيرا فله رغاء ، أو بقرة فلها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه ، ثم قال : اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت » « 1 » . والذي نراه أن هذه الأحاديث إنما هي تصوير لما يكون يوم القيامة من أن وزره يكون قائما بين يديه ، وصور ما وقع وموضوع أوزاره تكون قائمة في كتابه كأنها حاضرة بأعيانها ، هذا هو الذي تدل عليه الألفاظ ، ولا نقول إن حضور ذات الأشياء مستحيل على اللّه ، فإن اللّه على كل شئ قدير ، ولكن نقول : إن ذلك هو ما يؤدى إليه الذوق البياني العربي ، وإن ذلك يومئ إلى دقة الحساب ، وقيام الموازين بالقسط ، ثم بين سبحانه نتيجة هذا الحساب ، فقال سبحانه : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وبعد الحساب العسير لهؤلاء الذين يأكلون الأموال بالباطل ، ويغلون في الغنائم ؛ ويغلون في أموال الدولة - يوفون جزاء ما كسبوا من غير ظلم ، وفي النص الكريم عدة إشارات بيانية ، الأولى : التعبير ب ( ثم ) وهي تفيد التراخي بين إحضار الأعمال بأوزارها ثم يتولى جزاءها ؛ فإن هذا التراخي يفيد طول الحساب ، وطول الحساب عذاب في ذات نفسه ، وهو في الوقت ذاته يدل على دقته إذ تقام الموازين بالقسط . والثانية : التعبير ب ( توفى ) فإن فيه إشارة إلى أنه لا ينقص شئ مما عملت إن خيرا وإن شرا ، إلا أن يتغمده اللّه برحمته فيعفو عن بعض السيئات وهو العفو الغفور ، والثالثة : أنه عبر سبحانه وتعالى عن المساواة بين العمل والجزاء بقوله سبحانه ما كَسَبَتْ فإن هذا التعبير يفيد بظاهره أن الوفاء يكون بالعمل ذاته ، ولكن المعنى : جزاء ما كسبت ولكنه سبحانه عبر بهذا التعبير للدلالة على
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ وقد رواه بألفاظ متقاربة البخاري : الأحكام - هدايا العمال ( 6639 ) ، ومسلم : الإمارة ( 1832 ) ، كما رواه أبو داود : الخراج والإمارة والفيء ( 2557 ) ، وأحمد : باقي مسند الأنصار ( 22492 ) ، والدارمي : الزكاة ( 1609 ) . تيعر ، من اليعار وهو صوت الشاة . والعفرة : بياض غير ناصع مشرب بحمرة أو سمرة .